عادل الشجاع
عندما اندلعت الحرب في اليمن عام 2015، رفع شعار استعادة الدولة وإنهاء الانقلاب وإعادة مؤسسات الجمهورية إلى العمل. وبعد أكثر من اثني عشر عاما، يحق لليمنيين أن يسألوا: ماذا تحقق من تلك الأهداف؟ وأين أصبحت الدولة التي قيل إن الحرب والتدخل الإقليمي جاءا لإنقاذها؟.
لقد تحولت الشرعية اليمنية، التي يفترض أنها تمثل الدولة ومؤسساتها، إلى سلطة تعمل من خارج حدود البلاد. وبينما كانت الشعوب عبر التاريخ تنتظر من حكوماتها أن تكون حاضرة في ميادين الأزمات والحروب، وجد اليمنيون أنفسهم أمام سلطة تدار من الخارج وتعقد اجتماعاتها عبر الاتصال المرئي، في وقت تسيطر فيه القوى المسلحة المختلفة على الأرض وتدير مناطق نفوذها بشكل مباشر..
إن المشكلة الأساسية لم تكن فقط في انقلاب الحوثيين على الدولة، بل في العجز المزمن للشرعية عن تقديم نموذج بديل للدولة التي وعدت باستعادتها، فبعد سنوات طويلة من الدعم السياسي والعسكري والمالي الذي وفره التحالف بقيادة المملكة العربية السعودية، لا تزال الخدمات الأساسية في المناطق الخاضعة للحكومة تعاني انهيارا مستمرا، ولا تزال الكهرباء والمياه والصحة والتعليم تمثل أزمات يومية للمواطنين..
أما على المستوى السياسي، فقد شهد اليمن أكبر عملية تفتيت للسلطة والجغرافيا في تاريخه الحديث، فبدلا من استعادة الدولة الموحدة، برزت مراكز نفوذ متعددة وقوى مسلحة متنافسة، وأصبحت البلاد مقسمة فعليا بين سلطات وأجندات مختلفة. وفي الوقت الذي كان يفترض أن تعمل الشرعية على توحيد المؤسسات وبناء مشروع وطني جامع، بدت في كثير من الأحيان جزءا من حالة الانقسام والعجز، أو عاجزة عن مواجهتها..
ولا يمكن إعفاء المملكة العربية السعودية من المسؤولية السياسية عن هذا المسا، فبصفتها الدولة القائدة للتحالف وصاحبة التأثير الأكبر على القرار السياسي والعسكري للشرعية، فإنها تتحمل نصيبا كبيرا من مسؤولية النتائج التي آلت إليها الأوضاع، فمن غير المنطقي أن تستمر سلطة تدعي تمثيل الدولة اليمنية سنوات طويلة خارج أرضها، بينما تبقى قراراتها الأساسية مرتبطة بحسابات الأطراف الإقليمية أكثر من ارتباطها باحتياجات اليمنيين..
لقد كان اليمن بحاجة إلى دعم يعزز سيادته ومؤسساته الوطنية، لا إلى واقع يبقي السلطة بعيدة عن شعبها ومؤسساتها. وكانت الأولوية المفترضة هي إعادة بناء الدولة وتمكينها من العمل من الداخل، لا تكريس الاعتماد المستمر على الخارج..
إن أخطر ما أفرزته السنوات الماضية ليس فقط استمرار الحرب، بل تآكل فكرة الدولة نفسها في وعي المواطنين، فالأجيال الجديدة نشأت في ظل سلطات متعددة، واقتصادات متنافرة، ومؤسسات منقسمة، ومجتمع يتعرض لتشظ سياسي ومناطقي غير مسبوق. وكلما طال أمد هذا الواقع، ازدادت كلفة استعادة الدولة والاستقرار في المستقبل..
اليوم لم يعد السؤال من المسؤول عن بداية الأزمة فقط، بل من المسؤول عن استمرارها كل هذه السنوات دون أفق واضح للحل. فمن حق اليمنيين أن يراجعوا أداء جميع الأطراف، وأن يحاسبوا كل من امتلك سلطة أو نفوذا أو قرارا وأسهم، بالفعل أو بالتقصير، في إطالة معاناتهم، فالدول لا تُقاس بالشعارات، ولا تُحفظ بالاجتماعات الافتراضية، ولا تُبنى من الفنادق والعواصم الخارجية. الدولة تُبنى بحضور مؤسساتها بين مواطنيها، وبقدرتها على توفير الأمن والخدمات والعدالة، وباستقلال قرارها الوطني..