بقلم : محمد محمد العزيزي
عندما نتحدث عن ثورة 2011م السلمية في اليمن نتحدث عن لحظة نادرة خرج فيها الشعب يطالب بدولة لا بعصابة. وكانت توكل كرمان مع رفاقها الشباب السلميين من كل مكونات الشعب المختلفة في الصف الأول. صحفية، ناشطة حقوقية، وصوت لم يسكت رغم السجن والتهديد والاعتقال. كانت ناشطة مثابرة، قيادية عنيدة، وامرأة تنموية تؤمن أن التغيير يبدأ بالتعليم والعمل والمواطنة المتساوية لا بالجهل والتجهيل والبندقية والتمييز الطبقي. ناضلت سلمياً مع مئات الآلاف من الشباب في الساحات، وكان شعارهم واضحاً: دولة مدنية، مواطنة متساوية، لا للتوريث ولا للفساد. حتى أسقطوا نظاماً عصبوياً فاسداً وصفه العالم حينها بأنه أحد أكثر أنظمة المحسوبية والنهب استفحالاً في المنطقة. وباستحقاق عالمي نالت جائزة نوبل للسلام 2011م كأول امرأة عربية ويمنية تحصل عليها، ليس تكريماً لشخصها فقط، بل اعترافاً بأن صوت الشباب السلمي قادر على هز عروش الاستبداد والفساد والإفساد بالسلم والسلام.
وبعد سقوط النظام لم تحتمل قوى الفساد والإفساد والمراكز المقدسة أن تنجح تجربة التغيير السلمي، فبدأت المؤامرة وتعرضت اليمن لمشروعين متكاملين لإجهاض الثورة: الأول مشروع داخلي تمثل في بقايا نظام “عصابة الرئيس عفاش” بكل تناقضاته. تحالف بالأمس مع الإسلام السياسي، وبالأمس الآخر مع القبيلة والسلالة الكهنوتية، وبعدها مع الخارج، وجمعهم شيء واحد هو نهب الدولة وتحويلها إلى مزرعة. وعندما سقط رأس النظام قرروا إسقاط الدولة كلها.
والثاني مشروع دولي وإقليمي من قوى رأت في قيام دولة مدنية في اليمن تهديداً مباشراً، فدعمت أمراء حرب جدد تحت عناوين دينية وطائفية وعائلية ومناطقية. وكانت النتيجة حرباً أهلية مدمرة هدفها تسليم اليمن لمليشيات لا تؤمن بالدولة أصلاً. الحوثي بسلاليته، والقاعدة بداعشيتها، وبقايا العفافشة بفسادهم، وبعض أطراف محسوبة على الشرعية بمناطقية مقيتة. مختلفون في كل شيء لكنهم متفقون على شيء واحد: عداء التغيير السلمي، وعداء الدولة المدنية، وعداء المواطنة المتساوية التي كانت حلم شباب 2011م.
لذلك لا غرابة أن تتوجه سهام التحريض والإساءة الممنهجة إلى السيدة توكل كرمان. لأنها كانت وما زالت تمثل رمز المشروع المضاد لهم فهي ضد الحكم العائلي، وضد حكم المليشيا، وضد حكم الكهنوت، وضد حكم الفساد. يهاجمها الخطاب السلفي الذي يرى في صوت المرأة خطراً، والخطاب الحوثي الذي يرى في فكرة المواطنة كفراً، والخطاب العفاشي الذي يرى في الثورة خيانة وطنية، وحتى بعض الخطاب “الإخونجي” الذي يريد احتكار ومصادرة الثورة والدولة لنفسه ولمشروعه المتناقض مع الثورة والجمهورية. يهاجمونها لأنها تذكرهم كل يوم بأن هناك طريقاً ثالثاً غير طريقهم: طريق السلم والسلام وسيادة القانون والمواطنة المتساوية.
ولنكن أكثر وضوحاً: توكل كرمان ليست المسؤولة عن الخراب والدمار الذي وصلت إليه اليمن بل المسؤول هو نظام حكم 33 سنة حوّل مؤسسات الدولة إلى مقاولات عائلية، وأفقر الناس ثم باع لهم الوهم، وسلّم المعسكرات للمليشيات، وفتح الباب للتدخل الخارجي، ومزق النسيج الاجتماعي بخطاب مناطقي وطائفي خدم أجندات إقليمية ودولية. الثورة لم تفشل لأنها كانت خاطئة، الثورة أُفشلت لأنها كانت صحيحة وخطيرة على تجار الحروب وأمراء الحرب.
قد تتفق مع السيدة النوبلية توكل كرمان أو تختلف مع مواقفها السياسية اليوم، وهذا حقك. لكن لا أحد يستطيع إنكار أنها دفعت ثمن موقفها، وأنها اختارت السلم في لحظة كان فيها السلاح هو الحل الأسهل. اليمن اليوم تدفع فاتورة إفشال مشروع الدولة المدنية، وكل صوت يهاجم رموز التغيير السلمي اليوم هو في الحقيقة يبرر لاستمرار منطق القوة والغلبة والخراب المستمر، والاصطفاف مع أمراء الحرب وتجار الحروب لا مع الدولة وسيادتها وإحلال السلام وإعادة الإعمار والتنمية المستدامة والتداول السلمي للسلطة.
تحية لتوكل كرمان
رمز المرأة اليمنية التي قالت “لا” للظلم، وقالت “نعم” لوطن يتسع للجميع