بقلم: فائز النظاري
ليست الثروة ما تكتنزه الخزائن، ولا ما تتباهى به الحسابات والأرصدة، بل ما تختزنه النفوس من قيم، وما تفيض به القلوب من صدق ووفاء ونبل. فالمال قد يشتري الأشياء، لكنه يعجز عن شراء الضمير، ولا يستطيع أن يصنع إنسانًا، أو يبني مجتمعًا، أو يحفظ وطنًا إذا انهارت فيه الأخلاق.
وفي زمنٍ تتسارع فيه المصالح، وتتراجع فيه المبادئ أمام إغراء المنفعة، تصبح القيم هي الثروة الحقيقية، ويغدو حسن المعاملة، والوفاء، والأمانة، وصدق المواقف، أعظم رأسمال يملكه الإنسان. فهذه هي الثروة التي لا تفقد قيمتها، ولا تنهار أمام الأزمات، ولا تنال منها تقلبات الأيام.
إن الأمم لا تصنع مجدها بكثرة ما تملك، وإنما بعظمة ما تؤمن به. فلا المال وحده يحفظ تماسكها، ولا النفوذ وحده يضمن استقرارها، وإنما يحفظها رجال ونساء جعلوا من الأخلاق منهجًا للحياة، ومن الكلمة الطيبة رسالة، ومن الوفاء عند الشدائد عهدًا لا ينقض. وحين تضيق الحياة، وتتزاحم الخيبات، ويخفت الأمل، يبرز هؤلاء النبلاء ليكونوا نورًا في العتمة، وجسرًا يعيد الثقة بين الناس، ودليلًا حيًا على أن الخير لا يزال حاضرًا مهما ارتفع ضجيج الأنانية واتسعت مساحات الجحود.
إن المجتمعات التي تفقد قيمها، مهما بلغت ثرواتها، تعيش فقرًا أخلاقيًا يسبق كل أشكال الانهيار. أما المجتمع الذي يحافظ على الصدق، والأمانة، والرحمة، والوفاء، فإنه يمتلك ثروة لا تنضب، لأنها تُورَّث للأجيال، وتبقى أساسًا لكل نهضة، وسندًا لكل حضارة.
سلامٌ على أولئك النبلاء الذين يصنعون الأمل بمواقفهم، ويزرعون الثقة بأفعالهم، ويمنحون الآخرين من أخلاقهم أولئك الذين أثبتوا أن الثروة الحقيقية ليست ما نملكه، بل ما نتركه من أثرٍ طيب، وأن القيم الصادقة ستظل، مهما قلَّ أهلها، أقوى من كل قسوة، وأبقى من كل زيف .