أسرار الحقد


بقلم : فائز النظاري

النجاح وبناء المجد ليسا أمرين يسيرين، بل هما ثمرة وقت طويل، وجهد متواصل، وسلوك مهني راقٍ، وقدرة على كسب الاحترام والتقدير، بما يجعل الإنسان يقف أمام محطات الحياة بثقة وصدق، مستندًا إلى ما صنعه بعمله لا بما ادعاه بلسانه.

غير أن المفاهيم لا تستقيم عند الجميع؛ فهناك من يرى نجاح الآخرين اختبارًا قاسيًا لعجزه أمام المجتمع، فيحوّل شعوره بالنقص إلى حقد، ويجعل من التشويه والإساءة وسيلته لاستهداف المجد الذي صنعه غيره، أو تمزيق الصورة الجميلة التي رسمتها له الأيام بجدارة واستحقاق.
وللأسف، لم تعد هذه السلوكيات حوادث فردية، بل أصبحت ظاهرة تمتد من نطاق الأسرة إلى المجتمع، بل وحتى إلى العلاقات بين الدول. وما قصة نبي الله يوسف عليه السلام ببعيدة عن الأذهان، إذ كان الحسد شرارة البلاء، قبل أن يكون الصبر والإحسان طريقًا إلى التمكين.

كما أن الأيام تخلف ركامًا من التجارب، لكنها تكشف في الوقت ذاته ضيق أفق بعض الناس، وسطحية نظرتهم إلى المستقبل؛ فكم من ناجح، سياسيًا أو أسريًا أو اجتماعيًا، دفع ثمن نجاحه من سهام الحاقدين أكثر مما دفعه في طريق الوصول إلى النجاح نفسه.
وقد لخّص الشيخ محمد الغزالي هذه الحقيقة في كتابه جدد حياتك بقوله:”إن الشخص الذميم يرى في الجمال تحديًا له، والغبي يرى في الذكاء عدوانًا عليه، والفاشل يرى في النجاح إزراءً به… وهكذا.”
إن الحقد يبقى إعلانًا صريحًا عن عجز صاحبه، لا عن خطأ الناجحين. فالقمم لا تنخفض لأن أحدًا يكرهها، والشمس لا يحجب نورها من يغمض عينيه. وما يبنيه الإخلاص والعمل لا تهدمه حملات التشويه، لأن الحقيقة تملك من القوة ما يجعلها تبقى، بينما تتساقط الأقنعة مع مرور الزمن.
إن الذين يحاربون الناجحين في كل مكان وبأساليب قذرة لا يؤخرون مسيرة النجاح، ابدا وإنما يؤخرون أنفسهم و مجتمعاتهم
. فالمجد لا يُنتزع بالحقد، والتشويه ولا تُبنى الأوطان بإسقاط المخلصين، وإنما ترتقي المجتمعات حين يصبح التفوق قيمةً تُحتفى، لا تهمةً تُحارب. وعندما ينتصر المجتمع للإنجاز لا للأحقاد، يكون قد وضع قدمه الأولى على طريق الحضارة.