فيروز الوالي
العدو الحقيقي :
عدونا الحقيقي والوحيد الذي لا يحتاج إلى تأشيرة هو الفقر والجهل والمرض، وأن العقل الذي لا يستغل أو ينتج يصبح آلة للإستهلاك،وذاكرة فارغة بلا محتوى ..
لنصارح أنفسنا: عدونا ليس خارج الحدود… بل يسكن داخلها .
لنضع العاطفة جانبًا، ولنُطفئ مكبرات الصوت قليلًا، ولننظر في المرآة بلا شعارات.
عدو هذه المنطقة الأول ليس إسرائيل، ولا الولايات المتحدة، ولا إيران، ولا حتى دول الخليج.
عدونا الحقيقي – والوحيد الذي لا يحتاج إلى تأشيرة – هو الفقر، والجهل، والمرض.
المشهد النفسي: عقل مأزوم يبحث عن شماعة
نحن شعوب أُدمنت فكرة “المؤامرة الشاملة” حتى صارت مخدّرًا جماعيًا. حين نفشل، نبحث عن عدو خارجي؛ وحين ننهزم، نرفع أيدينا بالدعاء ونغلق عقولنا. الدعاء بلا عمل صار وسيلة لراحة الضمير لا لتغيير الواقع. الكراهية هنا ليست موقفًا سياسيًا، بل حالة نفسية تُعفي الفرد من مسؤولية التعلم والعمل والمساءلة.
المشهد الاجتماعي والثقافي: ثقافة الصوت العالي
لدينا ملايين المنابر، وقليل من المعامل.
ملايين الخطب، وقليل من المختبرات.
نرفع شعار “الأمة” ونختلف على كتاب مدرسي، وعلى لغة تعليم، وعلى قيمة المعلم. نُقدّس الماضي ونخاصم الحاضر ونخاف المستقبل. صارت الثقافة عندنا احتفالية لغوية لا مشروعًا معرفيًا.
المشهد الاقتصادي: استهلاك بلا إنتاج
نحن مليارات، نعم… لكن المليار الجائع لا يهزم ألفًا متعلمًا.
اقتصادنا يقوم على الاستيراد، والوساطة، والجباية، والفساد. نشتري كل شيء: القمح، الدواء، التكنولوجيا، وحتى الأفكار. بينما خصمنا – الذي نلعنه صباح مساء – ينتج، يُصدّر، يبتكر، ويحوّل المعرفة إلى ثروة.
المشهد السياسي: دولة الشعارات
السياسة عندنا خطاب تعبوي دائم، بلا مؤسسات قوية، بلا تداول حقيقي، وبلا محاسبة. الدولة تُدار بالعاطفة لا بالقانون، وبالولاء لا بالكفاءة. والنتيجة: سلطة تخاف المواطن، ومواطن يخاف الدولة… وكلاهما يرفع علم الوطن!
المشهد العسكري والأمني: السلاح بلا عقل
نكدّس السلاح ونُهمل الإنسان.
نُدرّب على القتال ولا نُدرّب على التفكير.
الأمن الحقيقي لا يصنعه الرصاص وحده، بل التعليم، والصحة، والعدالة. الجندي الجائع، والمريض، والجاهل… خطر على وطنه قبل أن يكون خطرًا على عدوه.
المشهد الدبلوماسي: عزلة اختيارية
نُحسن الصراخ ونُسيء التفاوض. نُتقن لغة الشجب ونفشل في لغة المصالح. العالم لا يُدار بالأمنيات، بل بالملفات، والأرقام، والتحالفات الذكية. من لا يملك مشروعًا، يصبح ساحة مشاريع الآخرين.
المشهد الإعلامي: ضجيج بلا معرفة
إعلامنا بارع في التحريض، ضعيف في التحليل. يصنع بطولات وهمية، ويهرب من الأسئلة الصعبة:
لماذا تعليمنا متأخر؟
لماذا مستشفياتنا عاجزة؟
لماذا شبابنا يهاجر؟
الإجابة تُخيف… لأنها تبدأ بكلمة: نحن.
المشهد القانوني والدستوري: نصوص بلا روح
لدينا دساتير جميلة تُعلّق على الجدران، وقوانين تُطبّق على الضعفاء فقط. العدالة الانتقائية تصنع مجتمعًا ناقمًا، وأمنًا هشًا، ودولة من ورق.
الخلاصة الساخرة المؤلمة
فالغرب وإسرائيل – التي نُحمّلها كل مصائبنا – دولة بعدة ملايين، لكنها منتِجة، شوارعها نظيفة، علماؤها في المعامل، جامعاتها تحصد جوائز، ومؤسساتها تعمل.
أما نحن، فمليارات… نختلف على الهلال، ونخاف من المختبر، ونُشيطن العلم، ثم نسأل: لماذا نحن متأخرون؟
أفيقوا:
الكراهية لا تُحرّر أرضًا، بل تُدمّر عقل صاحبها.
الدعاء بلا علم لا يبني دولة.
والعدو الحقيقي ليس خلف الحدود… بل في داخل أنظمتنا، وعقولنا، وخياراتنا.
لن يتغير حالنا إلا حين نصالح العلم، ونقدّس الإنسان، ونحاسب السلطة، ونتوقف عن الهروب إلى الخارج بحثًا عن عدو وهمي.
وإلى أن نفعل ذلك… سنبقى نصرخ كثيرًا، ونتقدم قليلًا، ونكتب مقالات غاضبة عن مؤامرات لا تنتهي، بينما الفقر والجهل والمرض يبتسمون… لأنهم انتصروا.
د/ فيروز الوالي