وهج نيوز/ متابعات
كشفت دراسة حديثة صادرة عن مركز المخا للدراسات الاستراتيجية عن ما وصفته بـ”المعركة الصامتة” التي يخوضها اليمنيون بعيداً عن أصوات المدافع، والمتمثلة في الانهيار النفسي الواسع الذي أصاب المجتمع بعد أكثر من أحد عشر عاماً من الحرب المستمرة.
الدراسة التي أعدها الدكتور إسماعيل السهيلي، بعنوان :المعركة الصامتة: بعد 11 عاماً ما صنعت الحرب بصحة اليمنيين النفسية؟”، أكدت أن تداعيات الصراع لم تتوقف عند حدود الدمار المادي وانهيار الاقتصاد، بل امتدت بعمق لتضرب البنية النفسية للإنسان اليمني، مخلّفة آثاراً طويلة الأمد تهدد استقرار المجتمع ومستقبله.
وبحسب الورقة البحثية، فإن نحو 7 ملايين يمني يعانون من صدمات نفسية واضطرابات متفاوتة تتطلب تدخلاً متخصصاً، استناداً إلى بيانات ميدانية وتحليلية وأحدث التقارير الدولية. غير أن الفجوة في خدمات الرعاية النفسية تبدو خطيرة، إذ لا يتجاوز عدد الأطباء النفسيين في عموم البلاد 46 طبيباً فقط، بمعدل طبيب واحد لكل 700 ألف نسمة، في ظل نظام صحي منهك جراء سنوات الحرب.
وأشارت الدراسة إلى أن نحو 120 ألف شخص فقط يتمكنون حالياً من الوصول إلى خدمات الرعاية النفسية، ما يعكس حجم الهوة بين الاحتياج الفعلي والقدرة المتاحة، خصوصاً مع استمرار الوصمة الاجتماعية المرتبطة بالمرض النفسي، والتي تدفع كثيرين إلى تجنب طلب العلاج أو اللجوء إلى أساليب تقليدية وشعوذة بدلاً من الرعاية الطبية المتخصصة.
الأطفال والنساء كانوا في مقدمة الفئات الأكثر تضرراً. إذ أظهرت النتائج أن 73% من الأطفال في اليمن يعانون من أعراض اضطراب ما بعد الصدمة، وهي نسبة تفوق ما سُجل في بعض دول النزاع الأخرى مثل العراق وسوريا، وتترافق مع تراجع ملحوظ في التحصيل الدراسي وازدياد السلوكيات القلقة والعدوانية.
أما النساء، فتشير الأرقام إلى أن 62% منهن يواجهن مخاطر الاكتئاب، فيما تعاني 67% من مستويات مرتفعة من القلق، نتيجة الأعباء المعيشية المتفاقمة، وفقدان المعيل، وتصاعد أشكال العنف النفسي والاجتماعي.
وتحذر الدراسة من أن فئة الشباب تمثل اليوم جيلاً مهدداً، يعيش حالة من الإحباط وانسداد الأفق، ما يدفع أعداداً متزايدة منهم إلى التفكير بالهجرة باعتبارها المخرج الوحيد من واقع مأزوم سياسياً واقتصادياً ونفسياً.
وفي مؤشر مقلق آخر، كشفت الورقة البحثية عن تصاعد معدلات الانتحار في المجتمع اليمني، حيث تسجل الإحصاءات أكثر من 1,660 حالة سنوياً، مع ترجيح أن تكون الأرقام الحقيقية أعلى بكثير بسبب ضعف آليات التبليغ والقيود المجتمعية التي تحيط بهذه الظاهرة.
وأكدت الدراسة أن استمرار تجاهل الأزمة النفسية سيشكل عائقاً بنيوياً أمام جهود السلام وإعادة الإعمار، محذرة من أن الصدمات غير المعالجة قد تسهم في إعادة إنتاج العنف والهشاشة الاجتماعية على المدى الطويل.
ودعت الورقة البحثية الحكومة والجهات المعنية إلى تبني سياسة وطنية شاملة للصحة النفسية، ودمج خدمات الدعم النفسي في برامج الصحة والتعليم والإغاثة والتعافي، باعتبار أن معالجة هذا الملف لم تعد مسألة إنسانية هامشية، بل استحقاقاً وطنياً وأمنياً.
واختتمت الدراسة بالتأكيد على أن تعافي اليمن لا يمكن أن يتحقق دون تعافي الإنسان اليمني نفسياً، معتبرة أن “المعركة الصامتة” لا تقل خطورة عن ميادين القتال، وأن كسبها هو الخطوة الأولى نحو سلام مستدام ومستقبل أكثر استقراراً.