اليمن بين القرية ومعضلة الحزبية.. نحو لقاء جامع يعيد للوطن معناه

وهج نيوز / مقالات

مقال للمستشار/ جمال صالح لهطل الفضلي

في خطابه الأخير عام 1978، أطلق الشهيد سالمين مصطلح “القُرية” ليصف القوى المتطرفة التي ترفع شعارات أممية زائفة، بينما لا تتجاوز أمميتها حدود قراها الضيقة. قال بوضوح إن هذه القوى تذبح الشعب من الوريد إلى الوريد بأوهامها، دون أن يحدد منطقة بعينها أو يربطها بمثلث برمودا السياسي للأزمات والحروب والتجويع. كان تحذيره آنذاك بمثابة إنذار مبكر من خطر تحويل السياسة إلى شعارات فارغة تُستخدم كسلاح ضد الجماهير.

واليوم، بعد عقود، يبدو أن اليمنيين أصبحوا صدىً مقلوبًا لتعبيرٍ قديم عن الرجعية والتشرذم. ففي الوقت الذي تحولت فيه دول الجوار العربي إلى اقتصادات كبرى، وحققت تنمية ملموسة على مستوى الفرد والمجتمع، لا يزال اليمن غارقًا في معضلة الحزبية التي أعاقت حياة الناس واستنزفت مواردهم.

الأحزاب اليمنية تعاملت مع الوطن وكأنه إقطاعية خاصة. حزب المؤتمر الشعبي العام، على سبيل المثال، اعتبر الدولة حكرًا عليه، فيما رأت بقية الأحزاب أن الوطن هو الحزب، وأن الوظيفة والمنصب والحق العام لا يُمنح إلا لمن كان تابعًا مطيعًا، لا يفكر ولا يناقش، بل يتماهى مع قياداته العائلية. هذه الأحزاب، التي لا تمثل سوى أقل من 20% من المجتمع، اختزلت الدولة في تنظيمات ضيقة لا تحمل معنى الحزب الوطني الحقيقي.

في زمن التكتلات الكبرى، حيث تتوحد دول وتبني اقتصادات، يبقى اليمنيون متناحرين ومشتتين، في الداخل والخارج، بسبب ما رسخته الأنظمة الحاكمة من تحويل الدولة إلى مجموعات حزبية مغلقة. المواطن اليمني حُرم من أبسط حقوقه في الصحة والتعليم والوظيفة العامة، بينما استأثرت الأحزاب بالسلطة والثروة، ووزعتها على قلة من المنتفعين الذين يسمون أنفسهم “حزبًا”.

لكن لا رجعة اليوم عن الخوار الجنوبي–الجنوبي الذي يؤسس لعقدٍ جديد تُحل فيه القضية الجنوبية بشكل عادل ومنصف، ضمن إطار الحل الشامل للسلام في اليمن. هذا الخوار ليس شعارًا عابرًا، بل هو ضرورة تاريخية تفرضها الحاجة إلى لقاء جامع ولمّ الشمل، حيث لا يمكن بناء سلام دائم إلا عبر إعادة الاعتبار للجنوب وقضيته، وفتح الطريق أمام شراكة حقيقية بين كل المكونات اليمنية.

إن الجنوب ليس ماركة تجارية للتربح السياسي، ولا اليمن كله ساحة لتجارب حزبية عقيمة. القضية أكبر من شعارات تُرفع أو خطابات تُلقى؛ إنها معركة وجود بين شعبٍ يتطلع إلى العدالة والتنمية، وبين قوى حزبية ترى في الوطن مجرد وسيلة للهيمنة وتقاسم الغنائم.

اليمن بحاجة إلى مشروع وطني جامع، يتجاوز “القُرية” ومحدوديتها، ويكسر قيود الحزبية الضيقة، ويؤسس لسلام شامل يقوم على العدالة والإنصاف، ويعيد للوطن معناه وللشعب حقه في حياة كريمة.

مقال للمستشار جمال صالح لهطل الفضلي
3 مايو2026م
العاصمة عدن